تعد السياسات الماليّة التي تتبعها الحكومات جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد، فتقوم الحكومة بالتدخل باقتصاد الدولة عن طريق سياساتها الماليّة لتحقيق غايات معينة، وتتمثل أهم هذه الغايات في الاقتصادات المتقدمة محافظة الحكومة على أكبر قدر من العمالة أو تحقيق العمالة الكاملة إن توفر ذلك، إضافةً إلى محاولتها تحقيق الاستقرار في النمو الاقتصاديّ للدولة جنبًا إلى جنب مع الاستقرار في الأسعار، ويكتسب الاقتصاد قيمةً إضافيّةً وذلك بسبب دور السياسة الماليّة في تحقيق وتعبئة الموارد الماليّة للتمكن من تمويل المشاريع التي يعد القسم الأكبر منها مشاريع تنمويّة تهدف لتحسين مستوى البنية التحتيّة، كما يتم التأثير على الاقتصاد من خلال السياسة المالية بعدد من الأدوات،[١] وسيطرح هذا المقال أبرز تصنيف لهذه الأدوات.


ما هي أدوات السياسة المالية؟ Fiscal policy tools

وفيما يأتي أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومة في السياسة الماليّة:


أولًا: الميزانية Budget

وهي الأداة التي يتم استخدامها من أجل تقييم التقلّبات التي تحصل على اقتصاد الدولة، وتقسم إلى:[٢]


الميزانية السنوية المتوازنة

ويهدف هذا النوع من الموازنات إلى تحقيق التوازن بين الإيرادات التي تحصلها الحكومة مع النفقات التي تقوم بدفعها، ولكنّ هنالك بعضًا من المشكلات التي تترتب عند اختيار مثل هذا النوع من الميزانيّات بسبب عدم وجود فائض نقديّ للإنفاق على المشاريع الاستثماريّة وتطوير البلد فلا يخلق حالةً من الازدهار ولا يحقق نموًّا اقتصاديًّا.


الميزانية المتوازنة دورياً

وتهدف إلى خلق فائض في الإيرادات يتجاوز الإنفاق العام في أوقات الازدهار، بحيث يتم توظيف هذا الفائض في تقليص الدين العام للدولة عن طريق سداده، كما يتم توظيفه أيضاً في حالات الركود الاقتصاديّ عندما تكون الميزانية عاجزةً بحيث تتجاوز نفقاتها الإيرادات التي تحصل عليها فيتم تحقيق التوازن وسداد هذا العجز من فوائض الميزانيّات السابقة.


الميزانية التعويضية المدارة بالكامل

وتهدف هذه الميزانيّة إلى تحقيق العمالة الكاملة في الاقتصاد دون أن يؤدّي ذلك إلى زيادة التضخم للمحافظة على استقرار الأسعار، ويتم ذلك من خلال تعديل الضرائب والإنفاق العام بشكل يتوافق مع هذه الأهداف.


ثانيًا: الضرائب Taxes

وهي من أهم الأدوات التي تؤثر بشكل واضح في توزيعات الدخل والثروة، إضافةً إلى محاولة التأثير على الاستثمار والاستهلاك بشكل رئيس لتحقيق الأهداف الرئيسة للسياسة الماليّة العامّة كتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، وتختلف السياسة المتبعة للضريبة في حالة الركود عن السياسة المتبعة في حالة التضخم، وفيما يأتي توضيح لكلا الحالتين:[٢]


السياسة المتبعة للضريبة في حالة التضخم

تقوم الحكومة على زيادة معدلات الضريبة وذلك لكبح جموح الطلب الهائل على السلع والخدمات، الذي لم يعد بمقدور المنتجين موازنته مع المعروض السلعيّ، والذي يؤدي إلى زيادة الاستهلاك، فتقوم الحكومة بفرض المزيد من الضرائب على السلع والخدمات وذلك بهدف رفع أسعار السلع والخدمات لقطع شهية المستهلكين عن الشراء، وتشجيع المنتجين على زيادة الإنتاج بسبب زيادة السعر لتحقيق حالة من التوازن بين العرض والطلب.


السياسة المتبعة للضريبة في حالة الركود

تقوم الحكومة بتخفيض معدلات الضريبة في حالة الركود وذلك لمحاولة تشجيع المستهلكين على زيادة الشراء والإنفاق لتحسين مستويات الطلب وتقليص الفجوة بينه وبين العرض، ومحاولة تشجيع الاستثمار بهدف توظيف أكبر عدد من العمالة لتحقيق العمالة الكاملة، ولكنَّ هنالك بعض الملاحظات على التخفيضات في معدلات الضريبة عندما تكون مستويات البطالة منخفضة، فإنَّ خلق حالة من التخفيضات الضريبية لا تؤدي إلى زيادة التوظيف بل يقوم كل من المستهلكون والمستثمرون على تأجيل استهلاكهم واستثماراتهم بغية الحصول على استفادة أكبر بسبب توقعهم أن يكون هنالك تخفيضات ضريبيّة قادمة فيما بعد.


ثالثًا: الإنفاق العام Public spending

تختلف سياسة الإنفاق في حالات التضخم عن حالات الركود فتقوم الحكومة بتقليل الإنفاق في حالات التضخم لتقليل المعروض النقديّ الذي أحدث ارتفاعًا في الطلب بشكل مضر بالاقتصاد، وتعمل أيضاً على زيادة الإنفاق في حالات الركود لعكس السبب الأول، وفيما يأتي أهم أنواع الإنفاقات التي يتم استخدامها من قبل الحكومة:[٣]


النفقات الاستثمارية

وتسمى بالنفقات الرأسماليّة وهي جميع النفقات التي تدفعها الحكومة على مشاريع تهدف إلى تنمية الاقتصاد، فيقوم هذا الاقتصاد بخلق مشاريع لها قيمة مضافة على المخزون الرأسماليّ للدولة، ناهيك عن تأثيره على الاستثمار بشكل إيجابيّ فهي تحفز الاستثمار في الدولة الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاجيّة بفعل هذا الاستثمار.


النفقات الاستهلاكية

وهي جميع النفقات التي تنفقها الحكومة على شراء السلع والخدمات من داخل الدولة نفسها، وذلك بهدف استهلاكها من قِبل الحكومة كالمعدات الاستهلاكيّة والصيانية المستخدمة في صيانة المرافق الحكوميّة أو أيّ سلعة يتم استهلاكها من قِبل هذا القطاع.


مدفوعات التحويل

وتشمل النفقات التي تتم على برامج الضمان الاجتماعيّ وبرامج التقاعد والشيخوخة وصناديق البطالة وبدلات التعطل والتأمين الصحيّ، وتهدف هذه المدفوعات إلى خلق حد أدنى للدخول لهؤلاء الطبقات، فهي تقوم على إعادة توزيع الدخل في المجتمع وذلك من خلال الحصول على إيرادات ضريبيّة من الطبقات الغنية وإنفاقها على شكل مدفوعات التحويل بهدف تقليص الفرق الماديّ بين هذه الطبقات.


رابعًا: الأشغال العامة Public Works

وتقوم فكرة الأشغال العامة على إنشاء المشاريع التنمويّة في البلد، مثل مشاريع البنى التحتيّة مثل:

  • إنشاء المطارات.
  • الطرق.
  • الموانئ.
  • السكك الحديديّة.
  • المرافق العامة.

وتوظيف العاطلين عن العمل في مثل هذه المشاريع، وبالتالي تكون الحكومة قد حققت أهم أهداف السياسة الماليّة وهي العمالة الكاملة، أو على الأقل تقليل معدلات البطالة إلى أدنى مستوى ممكن، بنفس الوقت التي تهدف به إلى إنتاج مشاريع استثماريّة وتنمويّة معمّرة تفيد وتضيف قيمة لاقتصاد البلد، كما أنَّ لها أهميةً كبيرةً في زيادة القوة الشرائيّة للأفراد وذلك بسبب الدخول والعوائد التي تتحقق لهم من هذه المشاريع، كما أنَّها تحفز القطاع الخاص على الاستثمار، ولكن هنالك بعض المعيقات التي تواجه أداة الأشغال العامة كندرة الموارد الاقتصاديّة للدولة، أو التأخيرات في البدء في هذه المشاريع بسبب التعقيدات والإجراءات الحكومية الطويلة، وسوء تخصيص الموارد في بعض الأحيان.[٢]


خامسًا: الدين العام Public Debt

ويتم استخدام الدين العام كأداة تحافظ على تحقيق الاستقرار في الاقتصاد في الدولة، ويتم الحصول على هذا الدين من عدّة أطراف على النحو الآتي:[٢]


الاقتراض من القطاع غير المصرفي

تقوم الحكومة بطرح سندات على الجمهور العام في الدولة، وعند شراء هذه السندات من قبل الأفراد فإنَّ الحكومة تحصل على الأموال ولكن هنالك بعض المآخذ على الاقتراض من هذه الفئة، ففيه تكون الحكومة قد أضافت قيمة للاقتصاد وحصلت على هدفها التي تنشد إليه في حال كانت الأموال التي تمَّ شراء السندات من خلالها مكتنزةً لدى الأفراد ولا يقومون بتوظيفها، وعلى العكس يمكن أن يؤدي ذلك إلى نتيجة مخالفة إذا كانت معدلات أسعار الفائدة على السندات جاذبةً للمستهلكين أو المستثمرين، فقد يقومون بإلغاء استثماراتهم التي ينوون القيام بها بهذه الأموال أو تأخير استهلاكهم بسبب العوائد التي تحققها لهم هذه السندات، وبشكل عام يكون الاقتراض أكثر فائدةً إن تم في حالات التضخم لتخفيف المعروض النقديّ أكثر منه من حالات الركود التي تقلل من المعروض النقديّ وتخرج بأثر عكسيّة للأهداف المراد تحقيقها.


الاقتراض من القطاع المصرفي

تقوم الحكومة بالحصول على القروض من القطاع المصرفيّ بمختلف الطرق كسندات أو قروض، وتتمثل الفائدة الأهم لهذا الاقتراض في حالات الركود، فيكون هنالك الكثير من الأموال غيرال مستخدمة لدى البنوك وذلك لعزف الأفراد عن القيام بعمليات الاستثمار والاستهلاك، فعند اقتراض الحكومة لهذه الأموال، ومن ثمَّ القيام بضخها في الاقتصاد عبر إحدى طرق الإنفاق العام التي تمَّ ذكرها في الأعلى؛ فإنَّ ذلك سيخلق حالةً من الطلب تساهم في تقليل حالات الركود، وعلى نحو آخر، فإنَّ قيام الحكومة بالاقتراض من المؤسسات المصرفيّة في حالات التضخم قد يكون صعباً وذلك بسبب الاحتياطات النقديّة القليلة الموجودة لدى البنوك.


السحوبات من الخزينة

تقوم الحكومة بعمليات السحب من الخزينة عند الحاجة إلى تمويل العجز في الميزانيّة، ويؤدي هذا الإنفاق إلى إضافة المعروض النقديّ في الاقتصاد، ويتم الاستفادة منها بشكل أكبر في حالات الركود لحفز الطلب.


طباعة النقود

وهي طريقة أخرى لتمويل الحكومة غير طريقة السحوبات من الخزينة، ويتم التمويل بهذه الطريقة في حالات الركود فقط بسبب تأثيره السلبيّ على قيمة العملة الوطنيّة في حالات الازدهار والتضخم.


المراجع

  1. "WHAT IS FISCAL POLICY", business-standard, Retrieved 17/10/2021. Edited.
  2. ^ أ ب ت ث pragyandeepa, "5 Major Instruments of Fiscal Policy", economicsdiscussion, Retrieved 17/10/2021. Edited.
  3. "Tools of Fiscal Policy", analystprep, 12/9/2019, Retrieved 17/10/2021. Edited.